Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوفمان.. متى يلتقي الإسلام والغرب؟

 

فاطمة حافظ

إسلام أونلاين  19 ديسمبر 2006

 

مراد هوفمان دبلوماسي ألماني، اهتدى للإسلام في مطلع الثمانينيات من القرن الفائت بعد أن أمضى نحو خمسين عاما من عمره كاثوليكيا، ومنذ اعتزاله العمل الدبلوماسي في منتصف التسعينيات يتجول كمحاضر في الندوات التي تعقد حول الإسلام في الشرق أو الغرب محاولا إقامة جسور من التفاهم، وإزالة مشاعر العداء التي يكنها كل طرف للطرف الآخر.

وهوفمان صاحب العديد من الأطروحات النظرية الهامة في التقريب ما بين الإسلام والغرب، ساقها في كتابيه: "الإسلام كبديل" و"الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود"، وفي الأخير تناول تفصيليا بالتحليل والنقد طبيعة العلاقة بين الإسلام والمسيحية، وقام بوضع الأسس المنهجية لحوار كفيل بإزالة ركام العداء التاريخي وفتح قنوات التعاون بين الطرفين.

الإسلام الحي

وفي معرض تقديمها لكتاب "الإسلام كبديل" ذهبت ماري شميل إلى القول بأن القارئ الغربي سيجد الإسلام الذي كان يعتقد أنه بقايا وحطام من العصور الوسطى دينا حيا كأنضر ما تكون الحياة، وإذا كان عرض الإسلام باعتباره دينا حيا نضرا يعد إحدى السمات المميزة لكتابات هوفمان حول الإسلام، فبإمكاننا أن نضيف عاملين آخرين أضفيا على دراسات هوفمان تميزا واضحا:

أولهما: أن معظم الدراسات لا سيما الشرقية منها- التي بحثت العلاقة بين الإسلام والغرب عالجت هذه العلاقة من منظور ما يفتقده الإسلام حتى يلقى استحسانا وقبولا غربيا، وهو ما صبغ قسما كبيرا منها بصبغة اعتذارية واضحة، أما أطروحات هوفمان فلم تنح هذا النحو مطلقا، فهي تعتد بأن الإسلام ليس طالب إحسان من الغرب حسب تعبير هوفمان- بل هو مانح لكثير من القيم التي يفتقر إليها الغرب، وهو ما يؤهله لأن يكون ندا وشريكا له.

وثانيهما: أنها ذات صبغة توفيقية واضحة؛ فجوهر رؤية هوفمان أن هناك مناطق تقاطع يمكن أن يلتقي فيها الإسلام مع الحضارة الغربية، وهو ما يستدعي بذل الجهد من مفكري الإسلام للتعريف بالإسلام على وجهه الصحيح، وتقديمه بصورة عصرية تلائم الذهنية الغربية، وهذا النزوع التوفيقي نعتقد أن مرده عمل هوفمان كدبلوماسي يؤمن بإمكانية التوفيق بين الرؤى ووجهات النظر المتباينة.

محددات العداء التاريخي

انطلق هوفمان في اجتهاداته للتعريف بالإسلام من الأرضية المفاهيمية، فذهب إلى أن الإسلام هو أن يسلم المرء نفسه لله، وهو دعوة توحيد تصلح لجمع الإنسانية حولها. أما المسلم فهو ليس من يعتنق الإسلام دينا فحسب بل كل من يؤمن بالإله الواحد الأحد، ويخضع له ويسلم به سواء أكان هذا الإنسان مسلما أم مسيحيا أم يهوديا. وهو يرى أن توضيح هذه المفاهيم الجوهرية على وجهها الصحيح كفيل بنبذ ما أسماه الفكرة المخيفة القائلة بأنه (لا نجاة للإنسان خارج الإسلام) والتي تضع المسلم في مواجهة غير مرغوب فيها مع أتباع العقائد الأخرى.

وإذا كان الإسلام بمقتضى تعريف هوفمان لا يمكن أن يثير العداء الغربي؛ فإنه في تحليله لأهم المحددات التي حكمت العلاقات توصل إلى أن هناك عناصر نظرية وأخرى واقعية أثارت العداء بينهما، ومن الناحية النظرية فإن كلا من المسيحية والإسلام ديانتان عالميتان تتجاوران البحر المتوسط، وبحكم طبيعتهما تشكلان خطرا على بعضهما البعض؛ فكل منهما تريد أن تتوسع على حساب الأخرى.

أما عن محددات العداء الواقعية فأرجعها إلى: الماضي المثخن بالجراح، والاستشراق؛ فانتشار الإسلام في القرنين السابع والثامن الميلاديين واحتلاله مواقع متقدمة في فارس وبيزنطة وتطويقه العالم المسيحي أزكى روح العداء الذي عبر عن نفسه بصورة دامية في الحروب الصليبية.

أما الاستشراق فقد لعب دورا غير نزيه في تأصيل العداء للإسلام لارتباطه منذ نشأته بالدوائر الإمبريالية وبتوفيره الغطاء الثقافي لأطماع أوروبا التوسعية، ويشير هوفمان إلى أن الاستشراق رغم كونه أسهم في زيادة المعرفة بالإسلام فإنه أعاق سبل المعرفة الحقيقية بسبب الأحكام المسبقة ضد الإسلام، حيث انطلق من فكرتين أساسيتين هما: تفوق النموذج الغربي، وحق الغرب أن يرتبط به باقي العالم ويسير على نهجه.

النبوة

وإسهاما منه في صياغة توجه نحو المستقبل يتسم بالاحترام والتعاون اجتهد هوفمان في وضع أسس يمكنها أن تشكل قاعدة للحوار الإيجابي البناء والتصالح المرتجى وحددها في:

إزاحة أنقاض الماضي -خصوصا العاطفية منها- عن الطريق وأن يتم هذا عن طريق دراسة تخلو من المحرمات كافة.

وفي مؤلفه "الإسلام في الألفية الثالثة" وضع هوفمان قناعاته موضع التطبيق حين خاض في مسائل أحجم كثيرون عن الخوض فيها لطبيعتها الحساسة ولكونها مسائل تندرج في صلب العقيدة المسيحية، لقد آثر أن يسلك طريقا وعرا لبناء جسور تواصل قائمة على مواجهة المشكلات والتغلب عليها بدلا من التنكر لها والقفز فوقها؛ فتناول احتجاجات كل طرف ضد الطرف الآخر بالتحليل والنقد وأيضا في حيدة علمية ظاهرة.

في البدء تناول هوفمان ما أسماه بـ"الاحتجاجات" التي يقدمها العالم الإسلامي للغرب، ولخصها في الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإسقاط صفة الألوهية عن المسيح. ورغم اعترافه بأن الكنيسة الكاثوليكية اتخذت خطوات لا سبيل لإنكارها باتجاه تطبيع العلاقات مع الإسلام، وذلك حين أقر المجمع الفاتيكاني الثاني الذي عقد عام 1964 تخلي الكنيسة عن اعتبار الإسلام عدوا لها، إلا أنها تظل برأيه خطوة محدودة الأثر وغير مكتملة إذ لم يتبعها الاعتراف بالقرآن الكريم ككتاب مقدس، وبمحمد صلى الله عليه وسلم كنبي مرسل من عند الله.

ويتساءل هوفمان مستنكرا "ألا تستدعي أصول المعاملة المهذبة عدم تجاهل رسول يؤمن به ما يزيد على مليار إنسان"، وحرصا على توضيح أن رأيه هذا يجد قبولا داخل بعض الدوائر اللاهوتية الإصلاحية ينقل هوفمان عن هانز كونج قوله: "إن إحدى مفارقات الفاتيكان أن يقرر النظر للمسلم العادي بكل احترام، وفي الوقت نفسه يتجنب الإشارة للقرآن أو محمد".

الألوهية

أما الاحتجاج الآخر والمتعلق بإسقاط صفة الألوهية عن المسيح فقد استلزم من هوفمان جهدا علميا واضحا تتبع خلاله المسيرة التاريخية للخلاف المسيحي حول طبيعة السيد المسيح وما تبعها من ظهور فكرة الثالوث المقدس، والتي لاحظ بذكاء أنها ظهرت بتأثيرات الميثولوجيا المصرية الفرعونية إيزيس، حيث أضيف إلى الأب والابن الروح القدس. وألقى هوفمان بعض الضوء على الفترة التاريخية التي شهدت ظهور فكرة الثالوث وأوضح أن الخلاف لم يظل ذا طبيعة لاهوتية وإنما اصطبغ بصبغة مسيحية واضحة خلال مجمع نيقية الكنسي المنعقد عام 325م، حيث لم تكن الدعوة لانعقاده موجهة من قبل البابا وإنما من قبل الإمبراطور قنسطنطين، وكان انعقاده في القصر الإمبراطوري ولم يعقد في كاتدرائية نيقية، ولذلك تبنى المجمع وجهة النظر الإمبراطورية القائلة بأن جوهر السيد المسيح من جوهر الأب وهو ما يعني إقرار صيغة (المسيح /الإله).

ويذهب هوفمان أنه في خلال العقود التالية للمجمع لم تحدث محاولات لكبح جماح تدهور العقيدة المسيحية بل ازداد الفكر المسيحي تطرفا؛ فتم القضاء على الكتابات المعارضة لمجمع نيقية، وصودرت أفكار الأريوسيين الذاهبين لاعتبار المسيح رسولا من الله، واستنادا لهذا ينظر هوفمان لرسالة الإسلام في مضمونها وتوقيتها باعتبارها محاولة لتصحيح المسيحية وإعادة التوحيد إليها. وعلى صعيد آخر استعرض هوفمان بعض جوانب المحاولات اللاهوتية الرامية لنفي الصفة الإلهية عن المسيح، سيما رؤية جون هايك الإنجليكاني الذي يرى أن مجرد طرح فكرة التثليث للنقاش يفقدها قدسيتها، وهانز كونج الذي يذهب إلى أن التثليث عقيدة يصعب الدفاع عنها وإشكاليتها الأساسية أنها تحذف الفارق النوعي بين الإله والإنسان.

ويعقد هوفمان آمالا عريضة على تلك المحاولات اللاهوتية الإصلاحية إذ بوسعها أن تفتح الباب واسعا لتصالح المسيحية مع غيرها من الديانات والمعتقدات غير المسيحية وبخاصة الإسلام. وبهذا يكتسب الحوار العالمي فرصا جديدة ليس على المستوى الإنساني فحسب بل على مستوى النظريات؛ لأنه في هذه الحالة لن تصبح مسألة الطبيعة الإلهية لعيسى أحد المحرمات التي لا تمس ولا تناقش.

عرائض الاتهام

الخطوة التالية كانت في تناول هوفمان الاحتجاجات -بعبارة أدق عرائض الاتهام- الغربية الموجهة للإسلام والتي أوجزها في: حقوق الإنسان، وأوضاع المرأة المسلمة، والديمقراطية.

وفيما يتعلق بـ"حقوق الإنسان" فقد شكك في نزاهة الادعاءات الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان معتبرا أن حديث حقوق الإنسان أصبح هو حديث القوة، فالمصطلح لم يظهر في الديانات السماوية لرفضها أن يكون الإنسان هو المشرع للحق، ورغم ذلك يقر الإسلام بحقوق الإنسان، ويجب علينا كمسلمين ألا نتعثر في إثبات وجود حماية إسلامية لحقوق الإنسان بتوقفنا عند المصطلح الغربي فحقوق الإنسان في الإسلام ذات ضمانة أكبر لكونها من عند الله.

ويرى هوفمان أنه لا اختلاف بين المفهومين إلا في فروق ظاهرة فقط حصرها في: الردة، وضع أهل الذمة، حقوق المرأة، والعقوبات الجسدية، وذهب إلى أن الاجتهادات الفقهية لفهم دقيق للمصادر الإسلامية سيضيق من هوة الخلافات غير أنه لم يفتح الباب على مصراعيه أمام عملية الاجتهاد واشترط بقاءها في حدودها الضيقة؛ لأن الشريعة بصفتها قانونا إلهيا غير معرضة للتحريف أو التغيير حتى وإن بدت هذه التغييرات في صالح العامة.

وانتقل هوفمان لبحث مسألة الديمقراطية؛ ففي تحليله لعوامل النفور الإسلامي من الديمقراطية أقر بأن هناك التباسا ما بين فكرة الديمقراطية بحسبانها منتجا علمانيا وبين مفهوم الحاكمية، وأرجع ذلك إلى أن الديمقراطية تترجم باعتبارها حكما وسلطة البشر وهو ما لا يمكن أن يقره المسلم الذي لا يكمل إيمانه إلا إذا أقر بأن الله هو الحاكم، وله وحده حق التشريع.

وفي مسعى لإزالة هذا الالتباس المفاهيمي ذهب إلى أن "حكم الله" لا يعني أن الله سلب البشر حق التشريع، وإنما يعني أن تحكم كلمته "القرآن" وتطبق شريعته على البشر وهو ما يضع المسلم أمام التساؤل الجوهري المتعلق بالكيفية التي يمكن أن يترجم بها كلمة الله وشريعته إلى قوانين وتشريعات، وهو ما يفتح باب الاجتهاد بين البشر حول كيفية تلك الترجمة.

وذهب هوفمان إلى أن الديمقراطية ليس لها شكل ثابت وإطار جامد يحددها وإنما هي فكرة مرنة وهو ما يسمح بإمكانية تعدد تطبيقاتها، وعليه فإن الديمقراطية الإسلامية المقترحة لن تصبح نسخا مكررة من الديمقراطيات الغربية، وعليه وجه هوفمان الدعوة للعلماء المسلمين للشروع في الاجتهاد لوضع أسس ديمقراطية إسلامية أطلق عليها (شورى قراطية) وحدد ضوابطها في ألا تتنافى مع مفهوم الحاكمية أو قواعد الشريعة.

ويخلص هوفمان بعد تفنيد احتجاجات كل طرف ضد الطرف الآخر إلى أن إمكانية نجاح حوار مثمر وبناء تظل قائمة غير أنها تتطلب أن يفهم كل من الطرفين الآخر، وألا يصر أحد من الطرفين على تحويل الآخر عن دينه، واستبعاد ما هو غير قابل للتفاوض عن مائدة الحوار.


*مراد هوفمان، الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود ( القاهرة، دار الشروق، 2000)،ص 74،75.

المرجع السابق، ص 164.

مراد هوفمان، الإسلام كبديل، ترجمة عادل المعلم (القاهرة،دار الشروق،1997)،ص 41.

مراد هوفمان، الطريق إلى مكة ( القاهرة، دار الشروق، 1999) ص 126.


 

 

عودة إلى قائمة الخطاب الفلسفي - الإسلام والغرب