Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة

فلاسفة العرب

 
بحث مخصص

 

في مشروعيّـة الحديث عن فلسفة إسلاميّـة معاصرة

لطفي العبيدي

4 فبراير 2014

القدس العربي http://www.alquds.co.uk/images/logo.jpg

 

قد يوحي المشهد الفلسفي اليوم بهامشية التفلسف الإسلامي أو تبعيّته التي لا مفّر منها، فقضايا الفلسفة المعاصرة منذ نشأتها لم تفارق مجال الثقافة الغربية والمرجعية التاريخية والنفسية. فقادت مطارحاتها تجاذبات المثالية والواقعية والبنيـويّة والوضعية المنطقية والاشتراكية والليبراليّـة وما إلى ذلك، وإن كانت ثمّـة اسهامات عربية في مجال الفلسفة المعاصرة فإنّها لا تخرج عن كونها اسهامات نابعة من كتب تيار فلسفي غربي، وهي في اتجاهاتها السائدة غير قادرة على الالتحام بالواقع العربي المعاصر لها، فلا هي تستلهمه بكيفية موضوعيّةولا هي تبدو قادرة على أن تجد لنفسها المسار للتأثير فيه، أو الإحاطة بمدى حاجة المجتمع بمكوّناته الفكرية والنظرية والعملية إلى استخدام المعرفة، أو استثمارها في تدبير شؤونه. وما بها من تجديد إنما ينبع من محاولة تطبيق المقولات والأسس المنهجية للفلسفات الغربية على التراث والفكر العربي والإسلامي. الأمـر الذي جعلها غير مدركة لخصوصية لحظتها التاريخية، وغير قادرة إلاّ على البحث عن نفسها في صورة استمرار لمواقف فلسفية أنتجتها لحظات تاريخية وحضارية أخـرى، فالإبداع فيها كان متأثرا بالمذاهب الغربية وكان محدودا بالحدود التي رسمتها هذه المذاهب لنفسها، وبالتالي لم تعبّر هذه المحاولات في الأساس عن الروح العربية الإسلامية ولم تبدأ من هموم المواطن العربي والمسلم ومشاكله المتعينة بالزمان وبالمكان.

إنّ تحقيق الإبداع يكون بالارتباط بالمشكلات الفلسفية والانخراط في معالجتها مثلما هو شأن العلوم الإنسانية، خاصة في الفكر الغربي الحديث، التي تأسست منذ القرن التاسع عشر ترجمة لتصوّر فلسفي للإنسان والمعرفة الإنسانية عموما في علاقتها بعالم الميتافيزيقا والإدراك العقلي والحدسي والتجربة من خلال المدارس الوضعية والبنيوية والفينومونولوجية وغيرها، في حين كان الفكر الفلسفي الإسلامي، ولا يزال منشغلا عن الإنتاج المعرفي بتجديد السؤال في الهويّة، ولعلّ سؤال من هنا نبدأ يعود ليطرح من أين نبدأ؟ وهو ما أحال علاقته بجملة المعارف الحكمية والاجتماعية وحتى الفيزيائية من المنظور الغربي إلى موقع الانفعال المتحفظ أو الناكر أو المسكون بهواجس التأصيل.

إنّ الفكر الفلسفي المعاصر يعيش أزمة تذهب بالبقية الباقية من حيوية حضارته،وينسحب الأمر نفسه على الفكر الدّيني، بسبب اقتصار جهد المنظرين على فعل التوفيق بين الميّت من آثار الآخر، الأهلي منه والأجنبي والاكتفاء بالمحاكاة، والتكرار والترديد.
إن أزمة هذا الفكر تتلخص في تبنّيه للوضعية النظرية والعملية وهذا عين الانسداد في الأفق. ويبقى الفكر النظري المجرّد هو الأقدر على التأثير في المجتمع على المدى الطويل، شريطة أن يكون مؤسسا على أسس نظرية قوية مرتبطة بواقع المجتمع وتكون نتائج التفكير مؤثرة ايجابا إن قليلا أو كثيرا في حياة الإنسان المسلم خاصة، والمجتمع العربي الإسلامي عموما.
إنّ الهدف من رصد الفلسفة بلورة الوعي التاريخي الفلسفي العربي- وسبر أغوار الحاضر بين الماضي والمستقبل حتى لا يظل الغرب وحده صاحب الوعي التاريخي يحقب مراحله ويدعونا إلى الدخول في احداها، والحال أنه تحقيب لا يمثّل طبيعة حركتنا الثقافية أو يثبت مناحيها الأصلية وخصائصها الحقيقية، ولا هو تصنيف يستجيب لمراحل البناء الثقافي العربي الإسلامي ولخصائص تشكّله. فعلى المفكر العربي والحال كذلك أن يتخلّـص من إطلاقية سلطة المرجعية فــي طرحه لإشكالاته وفي بنائه لنظرياته، فالدعوة إلى الإبداع تستدعي تجاوز هذه الحالة الفكرية التي تجعل المفكر العربي أسير سلطة المرجعية الفكرية ضمن منظور من منظورات التحليل النظري فتؤخر بذلك إمكانية بناء النظرية الفلسفية الإنسانية الشاملة. وكما بدأ المترجمون والحكماء القدماء بتمثل الوافد على مراحل عدّة: الترجمة ونشأة المصطلح الفلسفي والتعليق، ثم العروض الجزئية والكلية والتنسيق المنطقي ثم التأليف ابتداء من اجتماع تمثّل الوافد وتنظير الموروث وصولا إلى الإبداع الخالص، من دون ما حاجة إلى سند، كذلك على الفكر الفلسفي المعاصر أن يسلك المنوال نفسه.

إنّ إنتاج الفكر البشري هو سلسلة من الاكتشافات والإنجازات، تترابط حلقاتها وتتفاعل بصورة تجعل من هذا الفكر نتاجا عاما ساهمت في ابداعه قوى الإنسان العقلية، بما يعكس التكامل في عملية تنامي الفكر البشري بكلّ خصوصياته، فيستحيل حينئذ انقطاعه لأنه نبض الوجود الإنساني لأي هوية جماعية، ولكن يمكن أن ينقطع ابداعه في بعده الإنساني الكوني، ومن ثمة يصبح ناقلا ومقلّدا للنمط الفلسفي المهيمن- أي خارج دورة تطوّره وفي هذا السياق الذي يحيل على تراجع العطاء الفلسفي المعاصر يتعاظم الدور المرتقب والمنشود للفكر الفلسفي الإسلامي بأن يتجاوز مشكلة ماهية الفلسفة الإسلامية المعاصرة من مستوى التعريفات إلى مستوى الإسهام في مستقبل الفكر البشري، وفق وعي ثقافي وفلسفي وعلمي يثري بتحققه واستمراريته في المكان والزمان البيئة الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة.

باحث في الحضارة ـ تونس