Arabic symbol

                                                                     

فلاسفة العرب

 

 

 

 
بحث مخصص
 

 

 

جذور الثورات العربية.. الاحتفال السابق للأوان

English

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة

 جريدة الغد

تاريخ النشر 28/03/2011 

ترجمة وتقديم :علاء الدين أبو زينة

تكثر القراءات في محركات الحالة الثورية العربية المفاجئة. وتتباين التوقعات إزاء مخرَجات التكوينات الانتقالية التي بدأت تتشكل في بعض البلدان التي سقطت أنظمتها، أو ما سيسفر عنه المخاض الذي تمر به بلدان أخرى. وفي الحقيقة، كان الكثيرون من المعلقين والمراقبين في المنطقة والخارج قد عرضوا رؤى محبطة حول إمكانية إحداث تغييرات مفصلية في الحالة العربية في المراحل الأولى من الحراك التونسي، ثم المصري، وذكروا كثيراً من الأسباب التي أثارت شكوكاً مشروعة على الأقل. لكن الأحداث كشفت عن عبقريتها الخاصة التي لا تستجيب للوصفات الجاهزة، وفاجأ العالم العربي نفسه قبل غيره بقدراته الكامنة على اجتراح الجديد والمدهش.

وعلى الرغم من المسافة البعيدة التي قُطعت، والخطو الحثيث باتجاه المزيد من توسيع مساحة التحرر، ما يزال الكثيرون منا يضعون أيديهم على القلوب، خوفاً من أن تفضي عفوية الحالة التي كفلت لها سبل النجاح، إلى مصادرة الجهات الماكرة البعيدة كل البعد عن البساطة والعفوية، على منجزات الشعوب التي كسبتها بالعرق والدم والدموع. وقد شكلت ظاهرة "شباب الفيسبوك" محل إعجاب وتأمل متعاطف لدينا، وكشف منظموها عن وعي متقدم وقدرات تحشيدية فاقت أبعد أحلام المنظرين السياسيين والحزبيين جموحاً، لكننا شاهدنا كمّ الجهات التي التحقت بالحالة، والتي تحاول أن تركب الموجة بسبب الارتجالية التي قامت عليها حركة الشباب بالذات، وعدم استنادها إلى برامج وخطط تستشرف الوضع الناجم، وتحضر له البدائل. ولذلك، يظل البعض يحذرون من استباق النتائج والإفراط في الأمل. ويمكن استدعاء التجارب الإندونيسية والرومانية وتجارب أخرى في الجمهوريات السوفياتية السابقة، حيث لم تحقق الثورات الجماهيرية على المدى الطويل ما كانت تطمح إليه بالضبط.

أيا كان الأمر، فإن أي تحريك لمستنقع آسن حري بأن يجعل الماء يتنفس، ويصفو، وينبض بالحياة. ولم تكن لدى الجماهير العربية طوال العقود السابقة الكثير من الأشياء لتخسرها، وسيكون أي مكسب تنجزه هذه الجماهير شيئاً يستحق الاحتفال. لكن تعقب احتمالات الإخفاق، وتحليل المدخلات والتوابع، يبقى ضرورة من أجل فهم الآليات التي تقود الانتقالة الحرجة الراهنة. كما تفيد القراءات المتبصرة في تصحيح المسارات التي قد تذهب في الوجهة الخطأ. وفي هذا الإطار بالذات، تكتسب هذه القراءة أهمية كبيرة، لأنها تقدم تشريحاً مطلعاً ومستنيراً لبنى الأنظمة العربية ومرتكزات بقائها، الاجتماعية والاقتصادية، والتي أفضت إلى التناقض الحتمي بينها وبين شعوبها. وقد خبرنا دائماً وجود المسافة بين القمة والقاعدة، بين الحاكم والمحكوم. وكانت تشغلها، تقليدياً، "الطبقة الوسطى"، التي كانت صلة الوصل، ومساحة لاحتمال الانتقال إلى الأعلى. لكن إدارة الحكم والاقتصاد بطريقة أكثر استقطاباً لفرز طبقات الحكام ونخبها، وتغريب وحرمان لما عداها، أفضت إلى تذويب هذه الطبقة الواصلة، وخلق ما يشبه الفراغ بين القلة المسترخية في الأعلى، والكثرة المهملة والمتعبة في الأسفل. وكان لا بد من تفجر الصراع بين القطبين، كما حدث أخيراً.

بقي التنويه إلى أن استثناء الأردن من هذا التحليل تحت العنوان الفرعي "طبيعة الاقتصادات العربية" أدناه، جاء من عند الكاتب الأصلي، جيمس بتراس، ولم يكن تحايلاً من أجل تمرير هذه القراءة ونشرها. والسبب في استثناء الأردن، كما أحسب، هو فرادة تركيبته الاقتصادية والاجتماعية، والتي لا تنطبق عليها فكرة "اقتصاد الريع" القائم على بيع الثروات الطبيعية الثمينة. ويمكن، ببعض من الجرأة، تحليل الحالة الأردنية على حدة، لكن القراءة التالية تظل كاشفة إلى حد مثير للإعجاب، وكانت قد نشرت بالإنجليزية على موقع (The Palestine Chronicle)، بتاريخ 3/3/2011.

جيمس بتراس*

ركزت معظم القراءات التي تناولت الثورات والاحتجاجات العربية من مصر، وتونس، وليبيا، والمغرب، واليمن، والأردن، والبحرين، والعراق والأماكن الأخرى، ركزت على القضايا الأكثر قرباً: الدكتاتوريات السياسية، البطالة، القمع، وجرح المتظاهرين وقتلهم. كما وجهت جل اهتمامها إلى الناشطين الشباب من "الطبقة الوسطى"، وطريقة تواصلهم بواسطة "الإنترنت" (لوس أنجيلوس تايمز، 16 شباط- فبراير 2011)، وفي حالة إسرائيل ومنظريها من أصحاب نظرية المؤامرة، ركزت على "اليد الخفية" للمتطرفين الإسلامويين (ديلي أليرت، 25 شباط-فبراير، 2011).

أما الشيء الناقص، فكان أي محاولة لرسم ملامح إطار للثورة، والذي يأخذ بعين الاعتبار تلك البنى الاجتماعية واسعة النطاق، طويلة ومتوسطة المدى، وكذلك "أدوات التفجير" المباشرة للفعل السياسي الأخير. وقد حال اتساع وعمق الانتفاضات الشعبية، شأنه شأن القوى السياسية والاجتماعية المتنوعة التي دخلت الصراع، من دون وجود أي تفسيرات تنظر في بعد واحد من أبعاد الصراعات.

تشتمل أفضل المقاربات لهذه المسألة على ما يمكن وصفه بأنه "إطار في شكل قُمع"، والذي تقف عند طرفه العريض (البنى طويلة الأمد وواسعة النطاق): أي طبيعة الاقتصاد والطبقة والنظام السياسي؛ ويتحدد فيه المدى المتوسط بالتأثيرات التراكمية الدينامية لهذه البنى والهيكليات على التغيرات في العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ وكذلك القضايا قصيرة الأمد، والتي تعجل الاستجابات السياسية والاجتماعية والنفسية، أو نشوء الوعي الاجتماعي الذي يفضي إلى العمل السياسي.

طبيعة الاقتصادات العربية

باستثناء الأردن، تستند معظم الاقتصادات العربية حيث تحدث الثورات على "الريع" الذي يجبى من النفط والغاز والمعادن، والسياحة، والذي يوفر معظم عائدات التصدير وإيرادات الدولة (الفايننشال تايمز، 22 شباط-فبراير، 2011، ص: 14). وتشكل هذه القطاعات الاقتصادية في واقع الأمر، جيوب تصدير تستخدم شريحة ضئيلة من القوى العاملة، وتصنع اقتصاداً متخصصاً بدرجة كبيرة (التقرير السنوي للبنك الدولي للعام 2009). وليس لدى قطاعات التصدير هذه أي ارتباطات أو صلات باقتصاد محلي منتج ومتنوع: وإنما يتم تصدير البترول، في الوقت الذي يتم فيه استيراد السلع كاملة التصنيع، فضلاً عن الخدمات المالية والتكنولوجيا العالية التي تسيطر عليها جميعاً الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات والوافدة المرتبطة بالطبقة الحاكمة (الاقتصاد والسياسة الأسبوعية، شباط-فبراير، 2011). وتعمل السياحة على تعزيز دخل "الريع"، باعتبارها القطاع الذي يوفر "النقد الأجنبي" وعوائد الضرائب إلى دولة "العائلة-الدولة". وتعتمد هذه الأخيرة على رأسمال أجنبي تدعمه الدولة، وعلى مطوري "العقارات" المحليين المرتبطين بها سياسياً من أجل الاستثمار، وعلى عمالة الإنشاءات الأجنبية المستوردة.

وقد يولد الدخل القائم على "الريع" ثروة عظيمة، خاصة حينما تحلق أسعار الطاقة، لكن الأموال تعود على طبقة من "المنتفعين" الذين ليست لديهم مهنة ولا ميل إلى تعميق ولا توسيع عملية التنمية الاقتصادية والابتكار. ويكون هؤلاء المنتفعون "مختصين" في المضاربة المالية، والاستثمارات في الخارج بوساطة مؤسسات الأسهم الخاصة، وفي الاستهلاك الهائل للسلع الفاخرة وباهظة الأثمان، وفي فتح الحسابات السرية الخاصة التي تقدر بالملايين من الدولارات أو اليوروهات في المصارف الأجنبية.

وبطبيعة الحال، يوفر الاقتصاد الريعي القليل من فرص العمل في النشاط الانتاجي الحديث؛ وتخضع نهايته العليا لسيطرة أعضاء العشيرة-العائلة الممتدة والمؤسسات المالية الأجنبية من خلال خبراء منتفعين- فيما تستولي العمالة الخارجية المستأجرة بالعقود على الوظائف الدنيا والتقنية، وبمستويات دخل وظروف عمل أقل من تلك التي تكون القوة العاملة الماهرة المحلية مستعدة لقبولها.

يتجسد جيب الاقتصاد الريعي هذا في طبقة حاكمة قائمة على العشيرة-العائلة، والتي "تجمع" ملكية القطاعين العام والخاص. وبهذا، تكون "الدولة" في واقع الأمر هي الحكام مطلقو السلطة وعائلاتهم الممتدة المتربعون على القمة، ووكلاؤهم من الزعماء القبليين، وحاشيتهم السياسية، والتكنوقراط في الوسط.

وتكون هذه "طبقات حاكمة مغلقة"، والتي يقتصر الدخول إليها على أعضاء نخبويين منتقين من سلالة العائلة أو العشيرة، وعدد قليل من الأفراد "المبادرين الرواد" الذين ربما يراكمون الثروة بينما يخدمون العشيرة-الطبقة الحاكمة. وتعيش هذه "الدائرة الداخلية" حياة مترفة من إيرادات الريع، وتؤمن لنفسها المكافآت من شراكات تقيمها مع القطاع العقاري، حيث لا تقدم أي مهارات، وإنما التصاريح الرسمية، ومنحا من الأراضي، وتراخيص الاستيراد والإعفاءات الضريبية فقط.

وبالإضافة إلى نهب الخزينة العامة، تقوم العشيرة-الطبقة الحاكمة بتشجيع "التجارة الحرة"، أي استيراد المنتجات الرخيصة تامة الصنع، مما يجهض ويقوض أي بدايات أصيلة محلية في مجالات التصنيع "الإنتاجي"، أو قطاعات الزراعة والتقنية.

ونتيجة لذلك، لا تكون هناك طبقة لتنظيم المشاريع الرأسمالية الوطنية أو "طبقة وسطى". ويصبح ما يشكل طبقة وسطى هو موظفو القطاع العام في الأغلب (المعلمون، والمهنيون في قطاع الصحة، والموظفون، ورجال الإطفاء، ومسؤولو الشرطة، وضباط الجيش)، والذين يعتمدون على رواتبهم، التي تعتمد، بدورها على مدى خنوعهم للسلطة الاستبدادية المطلقة. وليس لهؤلاء فرصة للتقدم نحو المراتب العليا، أو لفتح الفرص الاقتصادية لأبنائهم المتعلمين.

يفضي تركز السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نظام مغلق تسيطر عليه العشيرة-الطبقة إلى تركز هائل للثروة. وبالنظر إلى المسافة الاجتماعية بين الحكام والمحكومين، تنتج الثروة المتولدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية صورة مشوهة للغاية من "الثروة" لكل رأس مال مفرد؛ وتفضي إضافة المزيد من أصحاب البلايين والملايين ليكونوا على رأس جمهور من ذوي الدخل المنخفض والشباب العاطلين عن العمل إلى ارتفاع خادع في متوسط الدخل (مدونة واشنطن، 24/2/2011).

الحكم الريعي: بالسلاح والأعطيات

بغية التعويض عن هذه الفوارق الكبيرة في المجتمع، ولحماية موقف الطبقة الحاكمة الريعية التابعة، تسعى هذه الأخيرة إلى عقد تحالفات مع شركات الأسلحة ذات الرساميل الهائلة التي تقدر بعدة بلايين من الدولارات، وإلى ضمان الحماية العسكرية من قوة (الولايات المتحدة) الإمبريالية المهيمنة. وينخرط الحكام في "الكولنيالية الجديدة عن طريق الدعوة"، عارضين الأرض للقواعد العسكرية، والمطارات والموانئ للعمليات البحرية، والتواطؤ في تمويل المرتزقة بالوكالة ضد الخصوم المناهضين للإمبريالية، والخضوع والاستسلام للهيمنة الصهيونية في المنطقة (على الرغم من الانتقادات غير المتساوقة وغير المتصلة التي يوجهونها إليها أحياناً).

وفي المدى المتوسط، يتم استكمال الحكم بالقوة بالأعطيات الأبوية التي يتم تقديمها إلى العشائر الريفية والقبلية الفقيرة، وتقديم الدعم الغذائي للفقراء في المناطق الحضرية، والعمالة من النوع مغلق النهاية ولمجرد التشغيل، للمتعلمين العاطلين عن العمل (الفايننشال تايمز، 25/2/2011، ص 1). وتعكس مشتريات الأسلحة المكلفة والإعانات الأبوية كلاهما الافتقار إلى وجود أي قدرة على خلق استثمارات منتجة. ويجري إنفاق البلايين على الأسلحة بدلاً من إنفاقها على تنويع الاقتصاد. كما يتم إنفاق مئات الملايين على المساعدات الأبوية لمرة واحدة، بدلا من إقامة استثمارات طويلة الأمد، وقادرة على توليد الوظائف المنتجة.

أما "الغراء" الذي يبقي هذا النظام متماسكاً، فهو مزيج من النهب الحديث للمال العام وموارد الطاقة الطبيعية، واستخدام العشيرة التقليدية ومجندي الاستعماريين الجدد، ومتعهدي المرتزقة للسيطرة على السكان وقمعهم. وتوضع الأسلحة الأميركية الحديثة في خدمة الأنظمة والدكتاتوريات المطلقة التي عفا عليها الزمن، وبالاستناد إلى نفس مبادئ حكم السلالات الذي ساد في القرن الثامن عشر.

ويفضي إدخال وتوسيع أكثر أنظمة الاتصالات تطوراً، ومراكز التسوق ذات العمارة فائقة الحداثة المتاحة لطبقات النخبة من المستهلكين المترفين، إلى خلق تناقض صارخ مع الغالبية العظمى من الشباب المتعلمين العاطلين عن العمل، المعرضين لضغط الاستبعاد من الأعلى، والضغط المقابل من العمال المتعاقدين الأجانب من ذوي الأجور المنخفضة من الأسفل.

زعزعة الاستقرار و"الليبرالية الجديدة"

تتعرض العشيرة-الطبقة الريعية للضغط من المؤسسات المالية الدولية والمصرفيين المحليين من أجل "إصلاح" اقتصاداتها: "افتحوا" السوق المحلية والمؤسسات العامة للمستثمرين الأجانب، وخفضوا العجز الناجم عن الأزمات العالمية عن طريق إدخال إصلاحات الليبرالية الجديدة (الاقتصاد والسياسية الأسبوعية، 12/2/2011، ص 11).

ونتيجة لتلك "الإصلاحات الاقتصادية"، تم خفض دعم المواد الغذائية للفقراء أو إلغاؤه، وتم خفض عدد وظائف الدولة، على نحو أغلق واحدة من الفرص القليلة المتاحة للشباب المتعلمين. وتمت زيادة الضرائب على المستهلكين والعاملين برواتب/ أجور، في حين تلقى مطورو العقارات، والمضاربون الماليون والمستوردون إعفاءات ضريبية. وقد أدى تخفيف وإلغاء التنظيم والتقنين إلى وجود فساد هائل، ليس في وسط العشيرة-الطبقة الريعية الحاكمة فحسب، وإنما من جانب حاشياتها ومرافقيها وبطانة أعمالها المباشرين أيضاً.

وهكذا تآكلت "الروابط" الأبوية التي كانت تصل الطبقتان الدنيا والوسطى بالطبقة الحاكمة بسبب "الإصلاحات" الليبرالية الجديدة الناجمة عن الدفع الخارجي، والتي تجمع بين الاستغلال الخارجي "الحديث" والأشكال "التقليدية" القائمة أصلاً من النهب الخاص المحلي. ولم يعد بوسع الأنظمة من فئة العشيرة-الطبقة أن تعتمد بعد الآن على الولاءات العائلية والقبلية والدينية والأتباع من أجل عزل وتحييد نقابات العمال الحضرية، والطلبة، والأعمال التجارية الصغيرة والقطاع العام منخفض الدخل.

الشارع في مقابل القصر

تتركز "الأسباب المباشرة" للثورات العربية في التناقضات الديموغرافية-الطبقية للاقتصاد الريعي المحكوم بالعائلة-الطبقة. وتحكم الأوليغاركية الحاكمة كتلة جماهيرية من الشباب العاطلين عن العمل وشبه العاطلين، وتضم هذه الأخيرة ما بين 50 ٪ إلى 65 ٪ من السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة من العمر (مدونة واشنطن، 24/2/2011). ولا يعمل الاقتصاد الريعي "الحديث" الدينامي على ضم ودمج الشباب المتعلمين المتخرجين حديثاً في التوظيف الحديث؛ وإنما يهبط بهم إلى منطقة "الاقتصاد غير الرسمي" منخفض الأجر وغير المحمي لباعة الشوارع، وعمال النقل والتعهدات، وقطاع الخدمات الشخصية. أما القطاعات فائقة الحداثة مثل النفط، والغاز، والعقارات، وقطاعات السياحة ومولات التسوق، فتكون معتمدة على الدعم السياسي والعسكري القادم من قادة متخلفين قبَليين من رجال وزعماء العشائر والعائلات، والذين يستفيدون من الدعم، لكنهم لم "يندرجوا أو يندمجوا" أبداً في مجال الإنتاج الحديث. أما الطبقة العاملة الصناعية الحديثة في المناطق الحضرية صاحبة النقابات العمالية المستقلة، فمحظورة. في حين تكون الجمعيات المدنية الخاصة بالطبقة الوسطى، إما تحت سيطرة الدولة، أو يقتصر عملها على تقديم الالتماسات إلى الدولة الاستبدادية فحسب.

يعني "تخلف" المنظمات الاجتماعية، المرتبط بالطبقات الاجتماعية المنخرطة في النشاط الانتاجي الحديث، أن يكون محور العمل الاجتماعي والسياسي هو الشارع. ويمكن العثور على الشباب العاطلين عن العمل وشبه العاطلين من المشتغلين بدوام جزئي في القطاع غير الرسمي في الساحات العامة، وفي الأكشاك والمقاهي ومجتمعات زوايا الشارع، والأسواق، وهم يدورون فيها أو حولها خارج مراكز السلطة الإدارية ذات النزعة المطلقة. ولا تحتل جماهير الحواضر مواقع استراتيجية في النظام الاقتصادي، لكنها تكون متوفرة وجاهزة للتعبئة الجماهيرية القادرة على شل حركة الشوارع والساحات العامة التي يتم من خلالها نقل السلع والخدمات وتوليد الأرباح. وعلى نفس القدر من الأهمية، تقدم الحركات الجماعية التي أطلقها الشباب العاطلون عن العمل فرصة للمهنيين المظلومين، وموظفي القطاع العام ورجال الأعمال الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، للمشاركة في الاحتجاجات من دون أن يصبحوا موضوعاً لأعمال انتقامية في أماكن عملهم مبددين "عامل الخوف" من فقدان المرء وظيفته.

تدور المواجهة السياسية والاجتماعية حول القطبين المتعاكسين: الأوليغاركيات التابعة، والجماهير منخفضة المنزلة الاجتماعية (الشارع العربي). وتعتمد الأولى مباشرة على الدولة (جهاز الشرطة/ الجيش)، بينما تعتمد الثانية على منظمات محلية غير متبلورة، وغير رسمية، ومنظمات يجري ارتجالها في ساعتها ووجهاً لوجه. أما الاستثناء، فهو القلة القليلة من الطلاب الجامعيين الذين يتنقلون عبر فضاء الإنترنت. وقد انضمت النقابات التجارية والصناعية المنظمة في وقت متأخر من الصراع، وهي تركز بشكل كبير على المطالب الاقتصادية القطاعية، مع بعض الاستثناءات -وخاصة في المؤسسات العامة، التي تسيطر عليها بطانة الأوليغاركيات، حيث يطالب العمال بإجراء تغييرات في الإدارة.

كنتيجة للخصوصيات الاجتماعة للدول الريعية، لا تتخذ الانتفاضات والثورات شكل الصراعات الطبقية بين العمالة الأجيرة والرأسماليين الصناعيين، وإنما تتجلى في شكل ثورات جماهيرية سياسية ضد الدولة الأوليغاركية. وتثبت الحركات الاجتماعية المستندة إلى الشارع قدرتها على نزع الشرعية عن سلطة الدولة، وشل الاقتصاد، ويمكن أن تنتهي إلى الإطاحة بالأنظمة الحاكمة المستبدة. لكن من طبيعة حركات الشارع أنها تملأ الميادين والساحات بسهولة نسبية، بنفس القدر الذي تنفض به أيضاً عندما تتم الإطاحة برموز الظلم. وتفتقر الحركات المستندة للشارع إلى التنظيم وإلى قيادة للمشروع، ناهيك عن القدرة على فرض نظام سياسي أو اجتماعي جديد. وتكمن قوتها في قدرتها على ضغط النخب والمؤسسات القائمة، وليس في استبدال الدولة والاقتصاد. ومن هنا جاءت السهولة المدهشة التي استطاع بها الجيش المصري المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي الاستيلاء على السلطة وحماية الدولة الريعية والهيكل الاقتصادي بالكامل، في الوقت الذي يحافظ فيه على علاقاته مع رعاته الإمبرياليين.

الظروف المتقاطعة  و"تأثير التمثيل"

جاء انتشار الثورات العربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط ودول الخليج، في المقام الأول، نتاج ظروف تاريخية واجتماعية متشابهة: دول ريعية تحكمها أوليغاركيات القلة من العائلة-العشيرة، المعتمدة على "الريع" الذي تجنيه من صادرات النفط والطاقة ذات رأس المال الكثيف، والذي يجبر الغالبية العظمى من الشباب على الاكتفاء بالأنشطة الاقتصادية غير الرسمية الهامشية "المعتمدة على الشارع والمتركزة فيه".

لا يمكن فهم "قوة المثال" أو "تأثير التمثيل" إلا من خلال تحقيق نفس الظروف الاجتماعية-السياسية في كل بلد. تعتمد قوة الشارع -حركات الجماهير في المدن والحواضر- على فكرة أن الشارع هو الموضع الاقتصادي للاعبين الفاعلين الرئيسيين، وعلى الاستيلاء على الساحات كمكان لممارسة السلطة السياسية وطرح المطالب الاجتماعية. ولا شك في أن النجاحات الجزئية التي تحققت في مصر وتونس قد فجرت الحركات في أماكن أخرى. لكنها فعلت ذلك فقط في البلدان ذات نفس الإرث التاريخي، ذات الاستقطابات والتناقضات الاجتماعية نفسها بين حكام الريع-العشيرة، وبين عمالة الشارع الهامشية، وبشكل خاص حيث كان الحكام مدمجين بشكل عميق، ومخضعين وتابعين للشبكات الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية.

الخلاصة

يحكم الحكام الريعيون من خلال علاقاتهم وروابطهم مع جيوش الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسساتهما المالية. ويقومون بتحديث وتمدين مناطقهم وجيوبهم الغنية، وبتهميش الشباب المتعلمين حديثاً، الذين يتم عزلهم في الوظائف منخفضة الأجر، خاصة في القطاع غير الرسمي غير الآمن، ويتركزون في شوارع العواصم. وقد عملت الخصخصة المرتبطة بالليبرالية الجديدة، والتخفيضات في الدعم الحكومي (في الأغذية، وإعانات البطالة، وزيت الطبخ والغاز، والنقل، والصحة، والتعليم)، على تحطيم الروابط الأبوية التي اعتاد الحكام أن يحتووا بها سخط الشباب والفقراء، فضلا عن نخب رجال الدين وزعماء القبائل. وكان التقاء الطبقات والجماهير، والتيارات الحداثية والتقليدية، نتيجة مباشرة لعمل الليبرالية الجديدة من فوق، والاستبعاد والإقصاء من الأدنى. وكان وعد "الإصلاحيين" من الليبراليين الجدد بأن "السوق" سوف تقوم بخلق وظائف بأجور جيدة للتعويض عن الخسارة في دعم الدولة الأبوي، وعداً زائفاً كما تبين. وقد عززت سياسات الليبرالية الجديدة تركيز الثروة، في حين أضعفت سيطرة الدولة على الجماهير.

وفي نفس الوقت، قادت أزمات العالم الاقتصادية الرأسمالية كلاً من أوروبا والولايات المتحدة إلى تشديد الرقابة على ضوابطها الخاصة بالهجرة، لتقضي بذلك على واحد من صمامات التنفيس للأنظمة الهروب الهائل للشباب المتعلمين العاطلين الباحثين عن عمل في الخارج. ولم تعد الهجرة إلى الخارج خياراً؛ وضاقت الخيارات لتنحصر بين النضال أو المعاناة. وتظهر الدراسات أن الذين يهاجرون هم أكثر ميلاً لأن يكونوا أكثر طموحاً، وأفضل تعليماً (ضمن فئتهم)، والأكثر ميلاً إلى المخاطرة. والآن، وقد أصبحوا محاصرين في أوطانهم، مع القليل من الأوهام إزاء الفرص في الخارج، فإنهم يضطرون إلى الكفاح من أجل خلق مرونة في التحرك على المستوى الفردي في الوطن من خلال العمل الاجتماعي والسياسي الجماعي.

ومن المهم بنفس القدر أنه بات يُنظر إلى الولايات المتحدة في أوساط الشباب المسيسين، والتي تشكل الضامن للأنظمة الريعية، على أنها إمبراطورية في طور الأفول: حيث تتعرض للتحدي اقتصادياً في السوق العالمية من جانب الصين؛ وتواجه الهزيمة كحاكم استعماري محتل في العراق وأفغانستان؛ وتتعرض للإذلال بوصفها خادمة كاذبة وخاضعة لإسرائيل التي تفقد مصداقيتها باطراد بسبب وكلائها الصهاينة في نظام أوباما والكونغرس. وتعمل كل هذه العناصر من أفول أميركا الإمبريالي وتشوه سمعتها وفقدان صدقيتها، على تشجيع الحركات المؤيدة للديمقراطية على التحرك ضد عملاء الولايات المتحدة، وتقلل مخاوف هذه الحركات من احتمال تدخل الولايات المتحدة عسكرياً ومواجهة جبهة عسكرية ثالثة. وتنظر الحركات الجماهيرية إلى أوليغاركياتها على أنها أنظمة من "ثلاث طبقات": فهي دول ريعية؛ تحت الهيمنة الأميركية؛ التي تقع بدورها تحت الوصاية الإسرائيلية-الصهيونية. ومع وجود 130 بلداً في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن كله، ما عدا الولايات المتحدة، والتي تدين كلها التوسع الكولنيالي الإسرائيلي؛ وبينما تعد كل من لبنان ومصر وتونس والأنظمة الجديدة القادمة في اليمن والبحرين بانتهاج سياسات خارجية ديمقراطية، تدرك الحركات الجماهيرية أن كل أسلحة إسرائيل الحديثة وجنودها البالغ عددهم 680.000 لن تجدي نفعاً أبداً في مواجهة عزلتها الدبلوماسية الكلية، وخسارتها للعملاء الريعيين الإقليميين، وبفقدان الثقة الكلي في حكامها العسكريين المنمقين وعملائها الصهاينة في المؤسسات الدبلوماسية للولايات المتحدة (الفايننشال تايمز 24/11/2011، ص 7).

ضمن المعطيات الأخيرة، تشكل نفس الهياكل الاجتماعية-الاقتصادية والظروف السياسية التي فجرت الحركات الجماهيرية المؤيدة للديمقراطية، والتي نظمها الشباب العاطلون عن العمل من "الشارع"، تشكل الآن التحدي الأكبر: هل تستطيع هذه الكتلة الجماهيرية غير المتبلورة والمتنوعة أن تصبح الآن قوة اجتماعية وسياسية منظمة، والتي تستطيع تولي سلطة الدولة، ودمقرطة النظام، وأن تخلق في الوقت نفسه اقتصاداً منتجاً جديداً لتوفير فرص عمل مستقرة وجيدة الأجر، والتي ظلت مفقودة في الاقتصاد الريعي؟ تبقى النتائج السياسية غير محددة حتى الآن: إذ يتنافس الديمقراطيون والاشتراكيون مع قوى رجال الدين، والأوليغاركيين، وقوى الليبرالية الجديدة التي تمولها وترعاها الولايات المتحدة.

وهكذا، ما يزال من السابق لأوانه كثيراً الاحتفال بإنجاز ثورة شعبية ديمقراطية...

*آخر كتب جيمس بيتراس James Petras: "ما هو اليسار في أميركا اللاتينية؟"، بمشاركة هنري فيلتمير. و"الإحباط العالمي والحروب الإقليمية".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Roots of the Arab Revolts; Premature Celebrations

 

 

 

 

 

News feed